صورة مولاي إدريس بن إدريس
من أعلام المغرب

مولاي إدريس بن إدريس

الأولياء7 دقائق قراءةفاسفاس

مولاي إدريس بن إدريس قال الحافظ الكتاني: «بركة فاس والمغرب، وأمانهما وحرزهما، وواسطة عقدهما وفخرهما، سلطان الأولياء، ونخبة الصلحاء والكبراء والعظماء والأتقياء، سيد الأسياد، وقطب الأقطاب الأمجاد، الغوث الجامع، والنور الساطع اللامع، المجاهد في سبيل رب العالمين، والمؤسس لما عفى ودثر من معالم الدين، الخليفة الأصعد الأكبر، والهمام الأنزه الأنوه الأنور، منبع الأسرار والأنوار واللطائف، وعنصر المجد والكمالات وسائر المعارف، عين أعيان الخلفاء والعلماء والشرفاء، ووارث نور هديه الفضلاء، من تحلى بحلية الكمال والإرشاد والهداية، واتسم بسمة الدلالة على الله تعالى والقبول والرعاية، الغزير الوصف الذي تقصر عن تعداد أوصافه الطروس والأقلام، وتكل دون بلوغ أدناها ألسنة الأنام، العلوي الفاطمي، الحسني الكاملي، الحجازي الأصل، الزرْهُوني المنشأ والفصل، الفاسي الدار والقرار، والوفاة والمزار، مانح الزائرين وسائر القاصدين بأسراره الربانية المحمدية، وبعقود الجمان والدر النفيس: أبو القاسم وأبو العلاء سيدنا ومولانا إدريس، المعروف بإدريس الأنور وبإدريس الأزهر، وبإدريس صاحب التاج، وبإدريس المثنى، وبإدريس الفاسي، ويعبر عنه بعض من لم يراع كمال الأدب معه بإدريس الأصغر، والعذر له أنه لم يرد بذلك تنقيصا وإنما أراد تعريفه... وهو ابن القطب الأشهر مولانا إدريس الأكبر الحجازي المغربي الزرهوني ابن القطب مولانا عبد الله الكامل ابن القطب مولانا الحسن المثني ابن أول الأقطاب مولانا الحسن السبط بن رابع الخلفاء، وإمام العلماء والفصحاء والبلغاء؛ مولانا علي، وسيدة نساء الدنيا والآخرة، مولاتنا فاطمة الزهراء البتول، بنت سيد الكونين وعروس الدارين، وشفيع الخلائق أجمعين، وممد الأولياء والأنبياء والملائكة وسائر المقربين، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ وشرف ومجد وكرم وعظم، ورضي عن جميع آله وأصحابه، وأنصاره وأصهاره، وجميع من انتمى لجنابه. كان الذي تولى القيام بأمره بعد ولادته وبأمر البرابر بعد أبيه: السيد الصالح، المحب في الجانب النبوي والخادم الناصح، أبا السعد سيدي راشد بن منصة الأوربي مولى أبيه ودفين تربته مقابله بالزاوية الزرهونية. فكفله حتى فطم وشب، وأدبه أحسن أدب، وحفظه القرآن فحفظه وهو ابن ثمانية أعوام، وقيل: ابن سبعة، وعلمه السنة والفقه والحديث والنحو والشعر، والأدب وأمثال العرب وحكمها، وسير الملوك وسياستها، وعرفه أيضا بأيام الناس، ودربه على ركوب الخيل والرمي بالسهام ومكايد الحروب، حتى عرف ذلك كله، وتمهر فيه وهو ابن عشرة أعوام أو إحدى عشرة سنة، على اختلاف المؤرخين، ولما كملت له من السنين إحدى عشرة سنة أو نحوها، وظهر من ذكائه وعقله ونبله وفصاحته وبلاغته ما أذهل عقول العامة والخاصة ؛ أخذ له مولاه راشد المذكور البيعة على جميع قبائل المغرب، فبايعوه بجامع مدينة وليلي يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائة. وبعد بيعته؛ سار في الناس بسيرة سلفه الصالح، وهديهم الواضح؛ فجدد من معالم الدين ما بلي، وأظهر ما خفي، وأحضر ما غاب وغبر، وأحيى ما درس واندثر، ونشر العدل، وأظهر الحق والكمال والفضل، والتزم الاستقامة، وأقام السنة وراءه وأمامه، ونصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وشهر شعائر الإسلام والمسلمين، حتى استقام أمره وملكه، وانتظم عقده وسلكه، وثبت مكانه، وعز سلطانه، وقويت جنوده وأتباعه، وكثرت حواشيه وأشياعه، ووفدت عليه الوفود من البلدان، وقصده الناس من كل ناحية ومكان، وغزا ما لم يصله، أبوه من النواحي والأقطار، وأسلم بدعوته من بقي من الكفار... فعلم ببركته أهل المغرب بعد أن جهلوا، وعملوا بعدما ضيعوا، وأقبلوا بعدما أعرضوا، واتصلوا بعدما انفصلوا، وقربوا بعدما بعدوا، وتأنسوا بعدما استوحشوا، وعزوا بعدما ذلوا، وغلوا بعدما رخصوا، وعلوا بعدما سفلوا، وأحيُوا به وبأبيه بعد الموت؛ وتداركهم الله ببركتهما قبل الفوت. ... كان رضي الله عنه شاعرا مجيدا، فصيحا بليغا أديبا... كان أيضا عالما بكتاب الله، قائما بحدوده، راويا للحديث، عارفا بالفقه والسنة والحلال والحرام، وفصول الأحكام، ورعا تقيا، جوادا كريما، حازما فاضلا، بطلا شجاعا، شهما مقداما، له عقل راجح، وعلم راسخ، وحلم واسع، وإقدام في مهمات الأمور... كان رضي الله عنه ملازما للحق في تصرفاته، جاريا على قانون الشرع في أحكامه، لا يعدل عن الحق ولا ينحرف عن السنة، وكان يأخذ الجزية وزكوات الأموال في كل سنة على منهاج الشرع من غير تغيير ولا تحريف، ثم يصرف ذلك إلى مستحقيه من الضعفاء والأرامل والأيتام، وكانت تأتيه الغنائم في غزواته وغزوات أصحابه ؛ فيقسم الأربعة الأخماس على المجاهدين، ويصرف الخمس في مصارفه. ... واعلم أن هذا الإمام - رضي الله عنه - قد جمع الله تعالى فيه ما افترق في غيره من الخصال المحمودة كلها، والمزايا الشريفة بأسرها، فكان - رضي الله عنه - شريفا من آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم، شديد القرب منه والاتصال بجنابه العظيم، عالما عاملا، تقيا ديَّنا، زاهدا ورعا، خاشعا خاضعا، وليا صالحا، عارفا إماما، عدلا يحكم بين الناس بالحق، ويقضي فيهم بالشرع، ولا يزيغ عنه ولا يميل لسواه، فكان خليفة من خلفاء جده صلى الله عليه وسلم في هذا المغرب الذي سعد به ظاهرا وباطنا، ولا أشرف من هذه المرتبة ولا أعلى من هذه المزية، ولذا أطبق أكابر العلماء وجميع الأولياء وسائر الناس من جميع البلدان والأقطار والنواحي والأمصار على حسن الثناء عليه، وتعظيمه وقصد زيارته والتبرك به وبآثاره رضي الله عنه. ...توفي رضي الله عنه ونفعنا به في أول شهر ربيع الأول على ما ذكره الجزنائي في كتابه: جنا زهرة الآس وغيره، أو في الثاني عشر من جمادى الأخيرة على ما ذكره البرنسي سنة ثلاث عشرة ومائتين، وهو ابن ست وثلاثين سنة على الصحيح، وقيل ابن ثمان وثلاثين. بسبب أنه أكل عنبا فشرق بحبة منه وشهق شهقة ومات رحمة الله عليه. وقيل: إنه أكل عنبا مسموما ومات منه. ودفن رضي الله عنه بهذه البلدة بمسجد الشرفاء منها قريبا من دار القيطون بإزاء الحائط الشرقي منه، هذا ما لهجت به ألسنة الكافة من الخاصة والعامة، واتفق عليه جمهور المؤرخين، وأجمع عليه أهل الكشف قاطبة، وسواه لا يلتفت إليه ولا يعول أصلا عليه، وروضته إلى الآن محل التعبد والتهجد بتلاوة القرآن، والأذكار، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأدعية والصدقة وقراءة العلم وغير ذلك من أنواع البر والطاعات، في جل الأوقات، وغالب الساعات. وأخبر غير واحد من الأولياء والصلحاء والعلماء الأخيار، بل ومن العامة بأنه يجد في بعض الأحيان عند قبره الشريف، ورضته الشريفة، رائحة طيبة زكية عظيمة، تشق الأنوف والقلوب، لا يشبهها عود ولا مسك، ولا عنبر ولا غير ذلك من روائح الدنيا الطيبة، وربما تخرج تلك الرائحة حتى تتجاوز الباب، وتخرج إلى السوق فيشمها أهله ممن حاذى الباب، وذلك في الأوقات التي لا يطلق فيها عنده بخور ولا غيره، وذكروا أن موضع قبره الشريف لم يكن معروفا على سبيل القطع والتعيين، حتى اختبر أساس حائط القبلة من الجانب الأيسر ليصلح، وذلك في رجب عام أحد وأربعين وثمانمائة، فعثر حينئذ على قبره وجسده، ووجد اللحد قد بلى فلم يبق منه إلا القليل، والجسد المرحوم باقيا على حاله لم يتغير، ولم يكن للأرض عليه من سبيل، فكان ذلك من أعظم كراماته، وأسنى باهر آياته. وكان بين وفاته وظهور جسده - كما ذكر - ستمائة عام وثمانية وعشرون عاما. على ما هو التحقيق في ذلك. وذكر العلامة اليوسي في محاضراته ونقله عنه الشيخ أبو علي ابن رحال في الروض اليانع الفائح، وصاحب المرقي أن قبره الشريف: ترياق مجرب في كل ما أُنْزِل به من حاجة. وذكر العلامة ابن زكري في شرح همزيته أنه: محل ظهور البركات الكثيرة، والاستشفاء وإجابة الدعاء، وقال في الدر النفيس: زيارة قبره رضي الله عنه ترجع على صاحبها بخير الدارين، والنجاة من كرب الدنيا والآخرة، قال: وكذلك زيارة قبور الأولياء والصالحين، لكن هذا الإمام يزيد عليهم بمزايا ومراتب علية لم تكن لغيره». سلوة الأنفاس (1/98).